135- نوجا ملكة البانجو

اضيف بتاريخ : 02/05/2016 الساعة : 12:02:24

عدد المشاهدة : 61403

كتب : أ . د / محمد ابوزيد الفقي

سلسلة قبل الغروب عوامل السقوط

 نقصد بعوامل السقوط . الأسباب التي أدت إلى سقوط العالم العربي في الوقت الحالي ، وفنائه بعد ذلك ، ونحاول من خلال تسليط الضوء على هذه العوامل ، إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، أو تأخير وقوع الفناء العربي .أو عودة العالم العربي  إلى الحياة ،والتأثير  فيها من جديد                                                                                       الكارثة الكبرى في إخراج الله

 من معادلة الحياة (10)

 لم يستطع الأستاذ زارع الحصول على الدراسات الجامعية  ، ولكنه عاد إلي قريته النائية ، ومعه زوجته نوجا ، التي تزوجها من أحد أحياء القاهرة  التى تشتهر بتجارة المخدرات ،         و ربما كان حب نوجا والانشغال بها سببا في تخلفه عن الدراسة ، و لكنه لم يندم على ذلك :      [ قد تغدو إمرأة يا ولدي يهواها القلب هي الدنيا ] ، و عاد إلي قريته مرفوع الرأس ، و كان  هو الابن الوحيد لأبيه ، و لم يكن زواجه من نوجا من خلف ظهر أبيه ، بل كان بعلمه و دعمه ،      و افتخاره بين الفلاحين بزواج ابنه من البندر ، و في القرية التقى زارع بعبد الستار ، زميله  في الدراسة و الذي لم يوفق في إنهاءها بسبب فقره ، و موت أبيه وهو في المرحلة الثانوية  ، فكان عليه أن  يرعى أسرة كبيرة بنين و بنات ، وفضل العمل بالزراعة ، و تعليم إخوته  ،       و أخواته ، و بعد تعليمهم ، و زواجهم استقل هو بنصيبه من الأرض ، و بعض إخوته تنازل له طواعية ، حتى أصبح يمتلك خمسة أفدنة  ، و هي نفس المساحة التي  امتلكها زارع صديقه بعد وفاة والده . 

 كان الصديقان يتجاوران في الأرض ، و في المسكن ، و يعيشان في ظروف مادية متقاربة ، رزق زارع بولدين من الذكور ، أما عبد الستار  فقد رزق بولدين  و أربع بنات ، و حاول تعليمهم جميعا ، و لكنهم لم يتخطوا مرحلة الدبلوم ، أما زارع : فقد وصل نجلاه إلي الثانوية  ومنها إلي كلية الصيدلة في الجامعة  . 

 ذهبت نوجا زوجة زارع إلي زيارة أهلها ، و لكنها أكتشفت أنههم يعانون من قلة وجود المخدرات الجيدة ، و ذات مساء  وهم يتسامرون  في بيت ست الحبايب ، سألها أخوها فجأة     : ألستم تملكون أرضا يا نوجا ؟ 

قالت : نعم عندنا خمسة أفدنة 

قال : لدي مشروع يجعلكم تأكلون الشهد ، و تلبسون ذهبا 

قالت : ما هو ؟

 قال : عندي تقاوي لأجود أنواع المخدرات ، و يمكن زراعتها عندكم .

قال : هذا خطر علي زارع ، و ربما علم الناس بذلك و أبلغوا  الشرطة عنه 

قال لها : لن يعرف أحد  ، لأن البانجو يشبه الملوخية  أو بعض الأعشاب التي تظهر في المحاصيل ، و سوف نزرع مرة واحدة في العام صيفا داخل زراعات الذرة [ الأذرة]  ولن يشعر أحد بذلك ، و ربما زرعنا الحشيش [ القنب ] و الخشخاش ، و هو يشبه الخرشوف من ناحية الوصف ، و الفلاحون لن ينتبهوا لذلك . المهم أن السر يبقي  بينك و بين زارع .

 عادت نوجا من القاهرة بعد زيارة أهلها وولديها ، و جلست مع زارع  وعرضت عليه الأمر ، و أبدي معارضة ضعيفة في بداية الأمر ، و لكن مع الدلال و الإصرار  وافق ، و قام بزراعة الأرض كلها بالذرة في موسم زراعته ، و أحضر له صهره التقاوي ، و استخدم في الزراعة طريقة غاية في الذكاء ، فزرع الحواف الخارجية زراعة كثيفة من أكثر من الزراعة العادية  ،  و في الداخل جعل الزراعة علي مسافات متباعدة ، تسمح لنباتات المخدرات بالنمو ، و عاما بعد عام  ظهرت علي زارع أثار الثراء و الغنى ، و لم ينقطع يوما عن صلاة الجماعة في المسجد ، و كان الفلاحون يعتبرون هذه الثروة عطاء من الله ، و كرامة لزارع ، و كان يجلس  مع صديقه عبد الستار ، فيبدو عليه الانشغال بذكر الله ، و لكنه كان يتصنع  ذلك ليهرب من أسئلة جاره عبد الستار ، وكانت خضرة زوجة عبد الستار  تجلس مع نوجا كثيراً ،  و أحيانا كان الأمر يتطرق إلي هذا الثراء الفاحش و المفاجيء  ، و كانت نوجا تقول لها : إن زارع زوجى لا ينام من كثرة العمل و التجارة ، فكانت خضرة تنقلب على زوجها  مؤنبة ، وموبخة ، تتهمه بالكسل  ، و تقول له : البنات أصبحن في سن الزواج ، و الأولاد أيضا ، و أنت لا تتحرك ، و جارنا زارع لا يخرج من الأرض ، و يقطع  الملوخية و يوصلها للقاهرة بنفسه  أو عن طريق أصهاره  ثم يتاجر بعد ذلك في كل شيء  ، وعرفت  من نوجا أنهم اشتروا أرضاً في عاصمة المحافظة لبناء  عمارتين [ برجين ] لكي يكون لكل ولد من برج خاص به .

  فكر عبد الستار طويلا في حل هذه المعادلة ، و قال : لماذا لا أزرع أنا الآخر أذرة مثل زارع ؟ 

 و أزرع بداخله شيئا أخر لكي لا يكون بيننا تنافس ، إذا كان هو يزرع ملوخية ، و خرشوف ، و قلقاس ، فأنا سأزرع فجل و جرجير ، و كسبرة ، و بقدونس ، و بصل  ، و علي عربتي الكارو سأبيعه في المدينة ، وقام عبد الستار بشراء التقاوي ، و بعد زراعة الذرة بأسبوعين ، أخذ زوجته  و البنات الأربع ، و ذهب للحقل ، و قاس لهم مساحة متر مربع ،  ووضع في هذه المساحة عشرين [ جورة – بركة – حفرة ]  سمها ما تشاء ، و قام  بري الأرض فكان الفدان ينتج بجوار الأذرة ما يلي : 20 * 4200م = 84000 أربعة وثمانون ألف جورة  ، و كان يبيع ما يخرج من الجورة ب 1/2 نصف جنيه للتجار  بعد أن اشتهر في هذا المجال ، فكان إنتاج الفدان عنده = 42000 أثنين و أربعون ألف جنيه  في الشهر الواحد ، و كان هو يجني         [ يقطع ]  ثلاث مرات فتكون الجملة  42000* 3 = 000,126 مائة و ستة و عشرون ألف جنيه ، استطاع بذلك أن  يزوج أبناءه و بناته  ، و أن يبني بيتا في القرية  ، فيه دور أرضي    له و لزوجته ، و شقة لكل ولد ، و شقة لكل بنت ، لو أرادت أن تعيش في بيت أبيها ، و بدأت تظهر علامات الغنى علي عبد الستار ، و كلما سأله  أحد الفلاحين عن ذلك ؟

 قال له : الله سخر لنا الأرض لتعطينا كل شيء  ، و لكننا لا نعمل إلا ما كان يعمل أباؤنا  يعملون  ، ولو فكرنا قيلا  و عملنا لفتح الله لنا أبواب الرزق الحلال من كل شيء .

   أما الأخ زارع بعد أن انتهي من بناء البرجين في المدينة بخلاف أنه هدم بيته في الريف      و حوله إلي قصر ، و حضر ولداه من الجامعة بعد الحصول علي بكالوريوس الصيدلة  ، وناما معا في غرفة واحدة  و أشعلا مدفأة  لمقاومة البرد ، و استغرقا في النوم  بسبب عناء السفر    و أكلت المدفأة كل الأكسجين الموجود بالغرفة ، و عندما فتحت أمهم نوجا باب الغرفة لتدعوهما للفطور ، و جدتهما قد فارقا الحياة ، و أقيمت جنازة مهولة ، و في اليوم الثالث للجنازة رأى الفلاحون قوات الأمن  تملأ الأرض ، و تحيط بالمنزل ، و ظنوا أن الحكومة جاءت  لتقديم خالص العزاء ، و لكن الأمر كان علي خلاف ذلك ، فقد تم القبض علي زارع  بسبب زراعته للمخدرات  و أثناء  الاستجواب اعترف علي زوجته  ، و صهره ، و حكم على الجميع بالسجن المؤبد ، و لكن النقلة الكبرى من القصور الفارهة إلي سكنىَ السجن التي تشبه سكنى القبور عجلت بموت زارع و زوجته  نوجا داخل السجن  ، و صادرت الدولة البرجين  ، و كان ذلك ضمن حكم المحكمة  ، و سكن قصرهما في القرية البوم  و الغربان ، و كلما نظر عبد الستار   و زوجته خضرة إلي بيت جارهما  كانا يقولان معا :  سبحان الله  يمهل و لا يهمل .  

  و كان عبد الستار يسجد لله شكراً أن رزقه من حلال  ومن عمله و فكره .

 و كان يردد قول الله تعالي علي لسان صديق الظالم في سورة الكهف 

{ فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا  } الآية 40  

ملحوظة 

 أكتب هذه السلسة للفت أنظار  السادة القراء إلي ما يلي : 

1- أن عذاب الله عذابين  للعاصي الأول في الدنيا ـــ  ولكننا لا نفهم  ونقول أنه مكتوب ،      و أنه قضاء و قدر ، و لذلك تضيع الفائدة من هذا العذاب و لا يتعظ غير الظالم بما حدث للظالم .

2- يجب الاتعاظ بكل شيء يحدث لنا فقد ذكرت لي إحدى السيدات أنها خلعت العباءة و لبست  بدلة في غاية الأناقة ، و عندما كانت تنزل من علي السلم أختل توازنها  و سقطت علي السلم فانكسرت ساقها ، و تم تركيب عدة مسامير في ساقها ، و ستبقي في حالة عرج  إلي أن تموت  ، و هي تظن أن إحدى سكان العمارة  حسدتها . 

 قلت لها  : إنك عندما تركتي الاحتشام خالفتي ربك ، والله لا يترك حقه لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فافهمي شيئا من لغة الله تعالي  في التعامل مع البشر .

ولا تعيشين في وهم المغفرة بدون استحقاق لها .

بذنوبنا أعطانا الله جهلا يغنينا عن كل علم

  ا.د / محمد أبو زيد الفقى  

24رجب 1437هــ ، 1مايو 2016م                       

www.sanabelalezaa.com   الموقع الالكتروني 

Dr. MoHaMMeD Abo ZeeD AlfeQy   صفحة الفيس بوك   


 

اضف تعليق













عدد زوار الموقع 6657214