نور السادات رجل الحرب والسلام

اضيف بتاريخ : 15/05/2019 الساعة : 12:14:37

عدد المشاهدة : 70

كتب : اسلام النادري

مضت مواكب التاريخ تتقدمها دول وتتأخر فيها غيرها، وبين حقبة وأخرى تتبدل المواقع، ويتقدم المتأخرون والعكس. ولأن الدول تتأسس على ركائز اجتماعية عمادها البشر، فحركة التاريخ إنما هى فى جوهرها توثيق لحركات البشر.

وعلى امتداد كتاب الزمن المفتوح لمعت بلدان وتألق نجمها، وكان لبعض أبنائها فضل فى هذا اللمعان، بقدر تميزهم الفردى الواضح وقدرتهم على الاندماج فى جماعتهم وسياقهم.

وعلى امتداد أيام رمضان نفتح تلك المساحة لاستضافة باقة من رموز التاريخ القديم والحديث، ممن لعبوا أدوارا عظيمة الأهمية والتأثير، وقادوا تحولات عميقة الفعل والأثر فى مجتمعاتهم، وربما فى العالم وذاكرته ووعيه بالجغرافيا والزمن والقيم، فكانوا مصابيح مضيئة فوق رؤوس بلدانهم، حتى أننا نراها اليوم ونستجلب قبسا من نورها، تقديرا لأدوار فردية صنعت أمما وحضارات، ولأشخاص امتلكوا من الطاقة والطموح والإصرار ما قادهم إلى تغيير واقعهم، وإعادة كتابة التاريخ.

الكثير من الكُتب والأفلام سعت لتوثيق حياة الرئيس الراحل محمد أنور السادات، هذا الرجل الذى صنع التحولات الكبرى فى تاريخ هذا البلد فى عقد من الزمان، عشرة سنوات صعبة واجهها السادات منذ أكتوبر 1970 حتى تم اغتياله فى أكتوبر 1981، وتغيرات هائلة حدثت فى عهده على كل الأصعدة الداخلية والخارجية.. العديد من الإشادات كُتبت فى حقه، والانتقادات أيضًا، المؤكد أنه ساهم فى بناء دولة كانت منكسرة تمامًا بعد هزيمة ساحقة فى 1967، ولم ينته حدود تأثير ما فعله السادات عند توقيت اغتياله، بل أن عددًا كبيرًا من المهتمين بالشأن العام يُرجعون بعض مما يحدث فى الوقت الحالى إلى عهده الذى تجاوزناه منذ 40 عامًا.. وقد تسلم السادات مقاليد الحكم فى البلاد بعد وفاة الزعيم عبد الناصر فى 1970، وكانت البلد تعيش هزيمة كبيرة من العدو الصهيونى فى 1967، ستة أيام دمرت فيها إسرائيل 70% من العتاد الحربى، شهداء بالآلاف ضحوا بأرواحهم للحفاظ على الأرض التى كانت قد ضاعت، ووضع اقتصادى لم يكن هناك ما هو أسوأ منه.

أعاد بناء الجيش المصرى بالسلاح وبالثقة

السادات بدأ بناء الجيش المصرى بالسلاح وبالثقة بعد انكساره فى نكسة 1967، بخطة بدأت قبل الحرب، واستمرت إلى أن وضع شروطًا على الجانب الإسرائيلى بعد ذلك بحق تعداد وتطور ونوعية الأسلحة التى يحق للجيش المصرى الحصول عليها، ومناطق انتشاره فى سيناء مقابل تسوية سلمية أعادت إسرائيل بموجبها صحراء سيناء بالكامل إلى السيادة المصرية. دور السادات فى إعادة بناء الجيش هو محل تقدير لكل العسكريين الكبار فى الجيش المصرى، حتى أن الرئيس السيسى فى تعليقه خلال ندوة القوات المسلحة التثقيفية، فى الذكرى الـ36 لتحرير سيناء، أكد أن نتيجة الاشتباك فى 67 لم تثبت قوة الجيش المصرى، ما ترتب عليه فقد الجيش الثقة فى نفسه، كما فقد الشعب المصرى وبعض الدول الثقة، وحدث انكسار وانخفاض شديد فى الروح المعنوية، وأكد أن الجهود التى كانت تبذل لإعادة بناء القوات المسلحة كانت مضنية للغاية، وكان يعيشها الشعب المصرى يومًا بعد يوم، مشيدًا بجهود الرئيس الراحل أنور السادات والجيش المصرى فى هذا التوقيت.

كيف تخلص السادات من رجال عبد الناصر

لم تكن تلك التحديات المادية هى التى يواجهها الرئيس السادات وفقط، بل أن مهمة تولى أمور البلاد عقب جمال عبد الناصر بالكاريزما القوية التى عُرف بها هو أمر صعب للغاية، حتى أن محمد ثعلب نائب وزير الداخلية حينئذ قال فى تصريحات تليفزيونية، إن عددًا من المسؤولين فى قصر الرئاسة كانوا ينظرون إليه باستخفاف، ويحكى «ثعلب» أن أحدًا فى الرئاسة وقتها تحدث إلى وزارة الداخلية بأن الرئيس محمد أنور السادات سيزور القناطر الخيرية، وطالبهم بتجهيز الترتيبات التى كانت تتم للرئيس الراحل جمال عبد الناصر لزيارة السادات، فقال وقتها مسؤول بوزارة الداخلية عن السادات: «الراجل دا اتجنن ولا إيه، عاوز نفس اللى بيتعمل لعبد الناصر». الموالون لعبد الناصر كانوا لا يزالون يمسكون بمقاليد السلطة داخل الوزارات، واتخذ السادات فى مايو 1971 قرارًا حاسمًا بالقضاء على مراكز القوى فى مصر وهو ما عرف بثورة التصحيح، وفى نفس العام أصدر دستورًا جديدًا لمصر.

ثورة التصحيح

أحرق السادات الأشرطة بنفسه، وأحرق معها كل ما كان قبله، ليبدأ مرحلة جديدة على عكس سياسة عبد الناصر، رأى أن الرأسمالية هى القادرة على أن تنعش البلاد لأن تجربة الاشتراكية فشلت، وأعاد تشكيل المشهد السياسى مرة أخرى، بإعادة التيارات الإسلامية لتواجه التيارات اليسارية، أطلق صراح عدد من سجناء الإخوان، وسمح لهم بحرية الحركة، حتى قرار الحرب الذى كان قد تحدد فى 1971 تم تأجيله مرتين، وأراد أن يدير الأمور بطريقة مختلفة، وظل المشهد السياسى فى مصر على وتيرة ساخنة، حتى الساعة 1:55 ظهر السادس من أكتوبر، حيث إشارة الحرب التى كتبها السادات بخط يده.

السادات يعطى قرار الحرب إلى الفريق أول أحمد إسماعيل

وقال السادات فى خطابه: «إلى الفريق أول أحمد إسماعيل وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، بناءً على التوجيه السياسى العسكرى الصادر لكم منى فى أول أكتوبر 1973 وبناءً على الظروف المحيطة بالموقف السياسى والاستراتيجى، قررت تكليف القوات المسلحة بتنفيذ المهام الاستراتيجية الآتية، إزالة الجمود العسكرى الحالى بكسر وقف إطلاق النار اعتبارًا من يوم 6 أكتوبر 1973، وتكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة فى الأفراد والأسلحة والمعدات، والعمل على تحرير الأرض المحتلة على مراحل متتالية حسب نمو وتطور إمكانيات وقدرات القوات المسلحة».

السادات يقود مصر إلى أول انتصار عسكرى على إسرائيل

وقاد الرئيس محمد أنور السادات مصر إلى أول انتصار عسكرى على إسرائيل، ليقف متفاخرًا فى خطبته أمام مجلس الشعب فى 16 أكتوبر 1973م، الذى قال فيها: «لست أظنكم تتوقعون منى أن أقف أمامكم لكى نتفاخر معًا ونتباهى بما حققناه فى أحد عشر يومًا من أهم وأخطر بل وأعظم وأمجد أيام تاريخنا، وربما جاء يوم نجلس فيه معًا لا لكى نتفاخر ونتباهى ولكن لكى نتذكر وندرس ونعلم أولادنا وأحفادنا جيلًا بعد جيل، قصة الكفاح ومشاقه ومرارة الهزيمة وآلامها وحلاوة النصر وآماله، نعم سوف يجىء يوم نجلس فيه لنقص ونروى ماذا فعل كل منا فى موقعه، وكيف حمل كل منا الأمانة وكيف خرج الأبطال من هذا الشعب وهذه الأمة فى فترة حالكة ساد فيها الظلام ليحملوا مشاعل النور وليضيئوا الطريق حتى تستطيع أمتهم أن تعبر الجسر ما بين اليأس والرجاء».

السادات يرسم معالم جديدة لنهضة مصر بالانفتاح الاقتصادى

وقد كان فوزه فى الحرب مدخلًا لرسم معالم جديدة لنهضة مصر بعد الحرب بانفتاحها على العالم فكان قرار الانفتاح الاقتصادى، بتغيير التوجه المالى للدولة من الاشتراكية إلى الرأسمالية والاقتصاد الحر، بعد أن أدرك فشل تجربة جمال عبد الناصر، وارتبطت تلك الفترة فى مصر بنمو رؤوس الأموال الصغيرة التى كانت موجودة فى ظل النظام الاشتراكى وتحولها لرؤوس أموال كبيرة وظهور طبقة ثرية فى مصر كانت قد اختفت فيما بعد الثورة عام 1952، حتى أنه فى عام 1975، نشرت جريدة روز اليوسف تحقيقًا صحفيًا قالت فيه إن مصر أصبح بها ما يزيد عن 500 مليونير بعد سياسة الانفتاح الاقتصادى.

السادات يفتح الباب لمزيد من الحريات للصحافة ويسمح للصحف القومية بانتقاده

لم تكن ردود الأفعال على سياسة الانفتاح الاقتصادى كلها فى اتجاه واحد، ولكن كان لها العديد من المعارضين، حتى أن أحمد بهاء الدين رئيس تحرير جريدة الأهرام آنذاك، اعترض على سياسة الانفتاح الاقتصادى بمقاله فى صدر الصفحة الأولى بالجريدة القومية الأولى منتقدًا تلك السياسات واصفًا إياها بـ«انفتاح السداح مداح».

السادات يفتح مسارًا جديدًا فى العلاقات المصرية الخارجية ويتجه نحو أمريكا

لم ينظر السادات إلى الانفتاح الاقتصادى من زاوية اقتصادية وفقط، بل اقترنت تلك الفترة سياسيًا بالاتجاه إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية كشريك رئيسى لمصر، وفى مقابله إضعاف العلاقات مع الاتحاد السوفيتى والقوى الاشتراكية الأخرى، واقترنت تلك المرحلة أيضًا بقراره الذى اتخذه بعام 1976 بعودة الحياة الحزبية، حيث ظهرت المنابر السياسية، ومن رحم هذه التجربة ظهر أول حزب سياسى وهو الحزب الوطنى الديمقراطى كأول حزب بعد ثورة يوليو وهو الحزب الذى أسسه وترأسه، ثم ظهرت بعده أحزاب أخرى كحزب الوفد الجديد وحزب التجمع الوحدوى التقدمى وغيرها من الأحزاب.

السادات وسياسة التقشف.. محاولة لإعادة ضبط منظومة الدعم بشكل سليم

وحاول الرئيس الراحل محمد أنور السادات فى ذلك الوقت أن يضبط الأمور بمزيد من الإجراءات الاقتصادية المُنظمة للدعم، حيث كان للدكتور عبد المنعم القيسونى، نائب رئيس الوزراء للشؤون المالية والاقتصادية آنذاك خطاب أمام مجلس الشعب فى 17 يناير 1977 بخصوص مشروع الميزانية لذلك العام، أعلن فيه إجراءات تقشفية لتخفيض العجز، وربط ذلك بضرورة الاتفاق مع صندوق النقد الدولى والبنك الدولى لتدبير الموارد المالية الإضافية اللازمة، وهو ما تسبب فى انتفاضة الخبز بمجموعة من المظاهرات وأعمال الشغب الشعبية ضد الغلاء، فى يناير 1977 بعدة مدن مصرية رفضًا لمشروع ميزانية يرفع أسعار عدد من المواد الأساسية، حتى استجابت الحكومة وتراجعت عن زيادة الأسعار الذى كان ضمن منظومة جديدة لإعادة توزيع الدعم بشكل منضبط.

الخطوة الأكثر جرأة فى مسيرة السادات

لينتقل بعدها الرئيس السادات إلى الخطوة الأكثر جرأة فى مسيرته، وتحديدًا فى نوفمبر 1977، حينما أعلن فى البرلمان قراره الذى سبب ضجة بالعالم العربى بزيارته للقدس ليدفع بعجلة السلام بين مصر وإسرائيل، وبالفعل قام فى عام 1978 برحلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل التفاوض لاسترداد الأرض وتحقيق السلام كمطلب شرعى لكل دولة، وخلال هذه الرحلة وقع اتفاقية السلام فى كامب ديفيد برعاية الرئيس الأمريكى جيمى كارتر التى كانت عبارة عن إطار للتفاوض يتكون من اتفاقيتين، الأولى إطار لاتفاقية سلام منفردة بين مصر وإسرائيل والثانية خاصة بمبادئ للسلام العربى الشامل فى الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان.

وقد انتهت الاتفاقية الأولى بتوقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 والتى عملت إسرائيل على إثرها على إرجاع الأراضى المصرية المحتلة إلى مصر، ولم يأبه السادات وقتها بالتصريحات التى قالت إن ما فعله السادات يعتبر خيانة لشهداء 73، أو بردود الأفعال العربية تجاه زيارته لإسرائيل، حيث عملت الدول العربية على مقاطعة مصر وتعليق عضويتها فى الجامعة العربية، وتقرر نقل المقر الدائم للجامعة العربية من القاهرة إلى تونس العاصمة، والتى اعتبرت أن قرار الرئيس المصرى بالصلح المنفرد مع إسرائيل سيلحق الضرر بالتضامن العربى ويؤدى إلى تقوية وهيمنة إسرائيل وتغلغلها فى الحياة العربية وانفرادها بالشعب الفلسطينى، بل وأقدمت الدول العربية على قطع علاقتها مع مصر، باستثناء سلطنة عمُان والسودان والمغرب.

«كامب ديفيد».. أبعاد مختلفة فى رؤية السادات

بل وقرر السادات إسكات أصوات المعارضين قبل لقائه ببيجن لإتمام الاتفاقية، فقد أمر فى سبتمبر  81 بإلقاء القبض على 1536 من أبرز الشخصيات فى البلاد، من بينهم محمد حسنين هيكل، وفؤاد سراج الدين، ورؤساء حكومات وزراء سابقين.

السادات يبدأ فى دعم القضية الفلسطينية وإقامة دولة عاصمتها القدس

وكان للسادات موقف قوى أيضًا فى القضية الفلسطينية، بل ويعتبره البعض أهم رئيس عربى ينصر القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطينى ودعم استقلاله وإقامة دولته وعاصمته القدس، وذلك لأول مرة فى حضور مناحم بيجن رئيس الوزراء الإسرائيلى، وأفرايم كاتزير رئيس الدولة، فى كلمته أمام الكنيست الإسرائيلى، ونصح فيها الدولة الإسرائيلية فى كلمة موجزة قائلًا: «إذا كنتم وجدتم المبرر القانونى والأخلاقى لإقامة وطن على أرض لم تكن كلها ملك لكم فمن الأولى بكم أن تتفهموا إصرار شعب فلسطين على إقامة دولتهم من جديد، وهنا طالب بعض الغلاة والمتطرفين من إسرائيل أن يتخلى شعب فلسطين عن هدفهم الأسمى فإن معنى ذلك فى الواقع وحقيقة الأمر تخلى لهم عن هويتهم وعن كل أمل لهم فى المستقبل».

الدراما فى المشهد الأخير.. السادات قُتل باليد التى أعطاها الحرية

الدراما فى حياة السادات لم تنته إلا يوم احتفاله بذكرى حرب أكتوبر، يوم اغتياله الذى شهد هو الآخر دراما من نوع مختلف، عندما قامت الجماعة الإسلامية باغتياله على يد خالد الإسلامبولى وشقيقه محمد أثناء العرض العسكرى.

 

اضف تعليق













عدد زوار الموقع 7846399