الارتقاء لعقل الإنسان البدائي (1)

اضيف بتاريخ : 19/09/2018 الساعة : 10:35:27

عدد المشاهدة : 18

كتب : ريهام غريب

انسَ كل ما كنت تعرفه، إذا كنت حقًا تريد أن تعرف.

فى عالم الحيوان، النوع المهيمن على الطبيعة، هو نفسه الذى لا يعتاد السير فى القطعان، لأنه يعى بغريزته، أنه لن تحميه سوى حدة أنيابه. إذا ما نظرت يوما إلى الصراع الطبيعى الكائن طوال الوقت فى حياة البرية، ستجد عادة القطيع الذى يمشى فى مجموعات كبيرة، محتضنا بعضه البعض بحثًا عن الماء والغذاء، إذا هوجم واحدا منهم من قبل حيوان مفترس آكل للحوم، يجرى الباقى فى فزع، تاركين إياه لمصيره، بينما فى واقع الأمر، إن باستطاعة هذا العدد أن ينقض على المهاجم للدفاع عن الفرد المنتمى للقطيع وحمايته من الافتراس. لكنها سيكولوجية القطيع، أن يخاف دائما، وأن يترك من يظنه أقوى، يتعدى من كان بالأمس صاحبا له فى الطريق، ومشاركا لنوعية الحياة التى لا يعرف سواها، معتبرا نفسه محظوظا لأنه لم يؤكل بعد، غير واعيا بأن دوره آت، وبأن أصحابه سيأخذون معه نفس الموقف المخزى تاركين إياه لحيوان واحد جائع، ويفرون ناجين بأنفسهم. طبيعة القطعان، أن لا تدافع، أن لا تفكر فى حل، القطعان لا تعرف سوى السير فى الجماعات لسد جوع أو ظمأ لا أكثر.

باستطاعة الإنسان، أن يختار حياة القطعان، التى لا أمان فيها مهما هيأ له لعدده الغزير الذى يشبهه من حوله رغم أن ذلك لا نفع منه، أو أن يكون كالحيوان المفترس، الذى يدخل وسط القطيع ويخطف من بينهم واحد ولا يستطيع الباقى إلا المشاهدة أو الهرب، وهذا ما يحدث فى واقعنا بالفعل، لكن يمكن للإنسان أيضا أن يختار ألا يكون هذا أو ذاك، يستطيع أن يكون فعلا إنسانا، حيث يقف من بعيد ليشاهد روعة الحياة البرية، ويفكر، يفكر مليًا فى كل شىء، ليصنع لنفسه من الطبيعة التى هو جزء منها ما يلائم كونه كائنا عاقلا يستطيع دائما الاختيار.. تستطيع أن تتبع دائما وتكون فردا غير واضح المعالم من كثرة غلبة المشهد الكلى من حولك على وجودك المستقل، أو تنير طريقك لنفسك وتكون ظاهرًا للبصير والأعمى.

الدين والسياسة، هما الوسيلتان اللتان لم تفشلا أبدا فى تسيير القطعان من البشر بدون مقاومة منهم ولا محاولة تفكير واحدة. أنظر اليوم حولى، فأجد المنجذبين بين ها هنا وهناك، من أديان وطوائف واعتقادات يدافعون عنها بشراسة، وتيار جديد يجرف أكبر عدد ممكن من أفراد القطعان أمامه، يسمونه الإلحاد، ويتعاملون معه كعقيدة دينية تبشيرية جديدة، أتت لتخليص البشر من الضلال وتسعى لوضعه على الطريق الصحيح. وأجد من يتساءل بعد تشتت ذهنى عظيم، من يجب علّى أن أتبع؟ أشاهد يوميا أناس منجذبين بين هذا التيار السياسى وذاك، كل منهم يدافع كذلك، ومنهم من يسأل، من علينا أن نصدق؟

من يجب علينا أن نتبع ونصدق؟

أنفسنا! لا، بل عقولنا.

ليس علينا فى حقيقة الأمر أن نُسيّر طوال الوقت.

ليس علينا أن نكون تابعين طوال الوقت.

ليس من المفترض دائما أن نجد شخصا واحدا أو صنف واحد من أصناف البشر، لنصدق قوله ونتبعه فى مجموعات كالقطيع المغيب مصدقين بكل كلمة ينطق بها عمن سواه. على عكس الكتّاب والمفكرين، أنا لست شخصًا يسعى للحصول على أتباع يصدقون كل ما أعتقد به أنا، لأنه صحيح من وجهة نظرى، بل جل محاولاتى لتكمن فى تمكين الشخص العادى من التفكير المنطقى، لبناء معتقداته الخاصة، التى سأحترمها طالما أنها قد نبعت عن تفكير وبحث. لن يحدث ذلك إلا بوسيلة واحدة، وهى أن يقرأ المرء لمن لا يوافقهم الرأى مسبقًا، بدلًا من هؤلاء الذين يكتبون كى يجارون الفكر القائم أساسًا ولو كان غير عقلانى. والجزء الثانى لتلك الوسيلة هى ألا يصدّق المرء كل ما يقرأ، بل عليه التفكير والتحليل، قبل أن يكتسب تلك الفكرة أو يرفض هذه.

الدين هو حياة أرواحنا، والسياسة هى حياة أجسادنا، أما القرار الذى يجب أن نبنيه فى هاتين الحالتين، لهو حياة عقولنا. وهما المادتين الوحيدتين اللتان لا يجب أن نتبع فيهما كل من نصّب نفسه كصاحب قرار فيهما.

تريد أن تعرف من على حق ومن على باطل؟ انسى كل شىء ظننت يوما أنك تعرفه عن يقين، ثم انظر للصورة مرة أخرى. عد، كما كانوا أجدادك البشر الأولون، بلا معلومات مسبقة عن كل شىء. النقطة التى انطلقت منها بعد أن سرت طويلا فى طريق مستقيم. لا تضحك. فقط حاول أن تعود إنسان، واخرج من هذا القطيع الذى لا فائدة من اتباعه، سوى إيجاد الماء والغذاء حتى يحين أوان افتراسك من أى كائن يكن.

 

اضف تعليق













عدد زوار الموقع 6739707