اكتشفها فنان مصرى ستة أخطاء فى الآيات الخمس الأولى من سورة الفتح أوس الأنصارى: الزخارف الكثيفة وارتفاع النص والفراغ الدقيق وراء عدم اكتشافها

اضيف بتاريخ : 12/08/2018 الساعة : 1:31:23

عدد المشاهدة : 69

كتب : رجب عبد العزيز

صلاح عبدالخالق: إما أن نعلم المرممين الخط وإما أن نعلم الخطاطين الترميم

الباهى أحمد محمد: هناك خطآن فى مسجد شيخون أحدهما نص قرآنى والثانى فى البردة

هل لك أن تتصور أن مسجد السلطان حسن الذى يعد قبلة السائحين ومقصد الزائرين من كل أرجاء العالم به ستة أخطاء فى الآيات الخمس الأولى من سورة الفتح.

وبرغم مرور عشرات السنين على آخر عملية ترميم مسجلة بتاريخ 1915 لم يكتشف أحد هذه الأخطاء، حتى قادت الأقدار الفنان صلاح عبدالخالق لاكتشافها سنة 2013م.

مائة عام على آخر عملية ترميم للمسجد لم يكتشف خلالها أحد هذه الأخطاء لماذا؟

الأخطاء الواردة اختلف أهل الاختصاص فى نسبتها، رغم اتفاقهم على الإقرار بوجودها، فبعضهم نسبها إلى المنفذ "الحفار"، والبعض الآخر نسبها إلى المرمم، وإن كانوا قد اتفقوا على براءة الخطاط لفرادة أسلوبه فى الكتابة التى تعتمد على الفراغ الدقيق ما بين حروف الخط الكوفى حتى يكاد يكون كأنه شق، والتى سار على نهجها الأوربيون فيما بعد. 



مسجد ومدرسة السلطان حسن

أنشأ المسجد السلطان حسن بن محمد بن قلاوون، وبدأ البناء سنة 1356م واكتمل بعدها بسبع سنوات 1363م، وقتل السلطان قبل انتهاء بنائه ولم يعثر على جثمانه ولم يدفن فى الضريح الذى بناه فى المسجد خصيصا بل دفن فيه ولداه فيما بعد.

ويتكون البناء من مسجد ومدرسة لكل مذهب من المذاهب الأربعة: الشافعى والحنفى والمالكى والحنبلى.

وقد افتتن به المستشرقون، فوصفه المستشرق الفرنسى جاستون فييت بقوله: "هذا الجامع هو الوحيد بين جوامع القاهرة الذى يجمع بين قوة البناء وعظمته، و رقة الزخرفة وجمالها، وأثره قوى فى نفوسنا إذ له خصائصه التى لا يشترك معه فيها غيره". ويقول جومار فى كتاب "وصف مصر": "إنه من أجمل مبانى القاهرة والإسلام، ويستحق أن يكون فى الرتبة الأولى من مراتب العمارة العربية بفضل قبته العالية، وارتفاع مئذنتيه، وعظم اتساعه وفخامة وكثرة زخارفه". ويقول عنه الرحالة المغربى "الورثيلانى": "إنه مسجد لا ثانى له فى مصر ولا فى غيرها من البلاد فى فخامة البناء ونباهته".


أخطاء المرممين












يقول صلاح عبدالخالق، سكرتير عام ومؤسس الجمعية المصرية للخط العربى: هناك بعض المشاكل والأمراض التى تؤدى لحدوث تشوهات وعيوب فى المبانى الأثرية ناجمة عن أسباب مناخية وعوامل الآثار كأى شىء على الأرض تتعرض لمراحل النمو والحياة من النشوء إلى الارتقاء ثم الهرم فالقدم فالزوال ثم تدور عجلة الحياة من جديد وهكذا العناصر البيئية التى يمكن أن تؤثر سلبيا على الآثار مثل الإشعاع الشمسى والمطر والتلوث الجوى والرطوبة وأخيرا أخطاء المرممين غير المتخصصين.

الاكتشاف

وقد قمت بعمل ورش عمل لتلاميذى فى الخط الكوفى المملوكى، فكنت أذهب بهم إلى المواقع الأثرية ليتعرفوا على الطبيعة هذا الجمال والإبداع بعدما اطلعوا على صور للأثر ودرسوها؛ ولإعجابى بالنهج الذى سلكه هذا الخطاط أردت تصويره فاستصدرت من الجمعية المصرية للخط العربى خطابا للهيئة العامة للآثار من أجل تصوير هذا الأثر الخالد، ووافقت هيئة الآثار، وبعدما رفعت السقالات أخذوا تعهدا على أنهم بريئون مما يحدث لى، وقد أمضيت التعهد، وصعدت على السقالات، وصورت الأثر واحتضنت الكاميرا سعيدا بمغنمى هذا، فلما عدت إلى الصور فوجئت بالأخطاء الستة التى اكتشفتها بعد اعتلائى السقالات وكان هذا فى شهر فبراير عام 2013م.

ومنذ هذا التاريخ حتى الآن خاطبت هيئة الآثار المصرية وهيئة اليونسكو من أجل استدراك هذه الأخطاء، وأتانى الرد من الشاعر: لقد أسمعت لو ناديت حيا.. ولكن لا حياة لمن تنادى.. ونشرت بحثا بعنوان "اكتشاف أخطاء المرممين فى الآثار الإسلامية بمسجد ومدرسة السلطان حسن بن قلاوون.

الاقتراح

وقد سارعت بعمل الترميم اللازم للأخطاء على الورق وعرضتهم فى البحث راجيا أن نمكن من الحفاظ على هذا الأثر الخالد الذى يعد قبلة العالم. وقد نفذت هذه الإصلاحات والترميمات على الورق بالفعل من أجل الأخذ بها وتنفيذها.. وأخيرا أطلعت الفنان محمد الناصر على البحث فتحمس له.. 

واستبعد صلاح عبدالخالق أن تند هذه الأخطاء من الخطاط أو المنفذ "الحفار"، ونسبها إلى المرممين، خاصة أن آخر ترميم تم عام 1915، موصيا باختيار المرممين ممن لهم خبرة ودراسة فى مجال الآثار الإسلامية ومنها الخط العربى، وعمل دورات تدريبية لبعض الخطاطين فى الترميم، أو عمل دورات تدريبية لفنون الخط العربى لمرممى الآثار الإسلامية.

من أبدع الكتابات

ويرى أوس الأنصارى، أستاذ الدراسات العليا بمعهد المخطوطات، أن النص الموجود فى مسجد السلطان حسن من أبدع الكتابات الكوفية التى وجدت فى العصر المملوكى وغيره من العصور، وقد انتهج مدرسة تقوم على رسم الخلفية الزخرفية بكامل الأرضية ثم وضع الكتابة فوقها، ولم يذهب إلى الكتابة أولا وحشو الفراغ بالزخارف النباتية كالمعتاد فى أغلب الأعمال الكوفية، وهذا تفرد منه، وغالبا أن أحجار المساحة الخطية جهزت وقام الخطاط برسم الزخارف النباتية أولا عليها مباشرة دون رسمها على أوراق لتعذر مثل هذه المساحات الورقية فى مثل ذلك الزمان، ثم قام بكتابة النص، والخطاط متقن لاشك فى ذلك من حيث صنعته الخطية وإتقانه للنص القرآنى الحكيم، ولا بد فى مثل هذا العصر أن تتم مراجعة نص القرآن الكريم من خلال علماء القراءات خاصة أن المدرسة هى جامعة إسلامية بمقاييس هذا العصر. وللخطاط أسلوب فريد فى علاقة الفراغ ما بين الحروف؛ فقد جعلها قليلة للغاية كأنها شق، وهذا أسلوب ظهر متأخرا فى الكتابات الأوربية بعد ذلك. هذه النمطية البديعة أوقعت الحجار المنفذ فى حيرة فى "ولله جنود السموات والأرض" فكان ينبغى ألا يصل الشق إلى نهاية الحرف، ولو أزيل هذا الفراغ لأصبحت الكلمة صحيحة، وكذلك "عليما حكيما" كان ينبغى ببساطة إزالة نقطة من النقطتين اللتين تظهران حرف الميم على أنه هاء، وشبه هذا الحرف بحرف الميم لا فرق كبير بينهما. أما فى "ليدخل المؤمنين" فوجود هذا الفراغ الدقيق وضع المنفذ فى حيرة فقد أسقط حرف اللام وذلك لكثافة الزخرفة الموجودة وهى غنية جدا فى النص، ومن السهل جدا أن يتم إصلاح النص بوضع حرف اللام، وحرف الراء فى النص "ورسوله" هو من عوامل التعرية والزمن ويمكن ترميمه، كما أن النص "ورسوله الكريم" رأس الميم والواو قريب الشبه من بعضهما فى هذا الخط، وقد التبس على المنفذ أيضا لكثافة الزخرفة النباتية أسفل الكتابة، ومع حرصنا الشديد على سلامة النص القرآنى أولا وأخيرا فإن هذه الأخطاء ليست جسيمة وإصلاحها ميسور وربما كان السبب فى غيبتها على كثير من الناظرين مرجعه الجانب الزخرفى الكثيف، وأيضا استخدام الفراغ الدقيق ما بين الحروف، وارتفاع هذا النص مما يحدث تداخلا فى الرؤية من الأسفل إلى الأعلى.


المنفذ "الحفار"












ويؤكد خضير البورسعيدى، نقيب الخطاطين، أن تلك الأخطاء البسيطة التى اكتشفها صلاح عبدالخالق لا تنتج عن الخطاط، وإنما تعود إلى المنفذ "الحفار" الذى نفذ أعمال الحفر، ونفى الفنان خضير البورسعيدى أن تكون هذه الأخطاء ناتجة من عمليات الترميم التى تمت على مسجد السلطان حسن، وفى سؤاله كيف فاتت هذه الأخطاء على يوسف أحمد ومحمد عبدالقادر عبدالله وهما علمان من أعلام الخط الكوفى على مستوى العالم؟ قال إن محمد عبدالقادر عبدالله أستاذه كان يتبع نهج يوسف أحمد، وقد يكون أخذ بجمال الخط والزخرفة النباتية الكثيفة دون أن يدقق فى الأخطاء. وحول تبرئة المرممين من هذه الأخطاء، قال إن الأخطاء التى تنجم عن الترميم أفدح من ذلك كثيرا، والدليل على ذلك كثرة أخطاء المرممين فى السيدة زينب.

مسجد شيخون

واتفق الباهى أحمد محمد، المشرف الفنى على الخط والزخرفة بشركة المقاولون العرب، وأستاذ الخط العربى، مع الفنان خضير البورسعيدى فى تبرئة الخطاط من هذه الأخطاء، غير أنه ذكر أن هذه الأخطاء قد تنجم عن المنفذ "الحفار" أو المرمم، وأن الخطاط لم ير الصورة النهائية بعد أعمال الحفر، وأوضح الباهى أن فرادة الخطاط التى اعتمد فيها نهجا بديعا ينأى به عن الوقوع فى مثل هذه الأخطاء، وأن ما ساعد صلاح عبدالخالق فى التعرف إلى الأخطاء قد يكون راجعا إلى اجتهاده الذى دفعه إلى معرفة أسلوب مغاير من أساليب الخط الكوفى المملوكى فاكتشف هذه الأخطاء، وأضاف الباهى: ولعلى لا أذيع سرا إذا قلت إن هذا الأمر كثير الدوران فى الآثار الإسلامية، فقد صادف خطأين فى مسجد شيخون أحدهما بخط الثلث فى نص قرآنى، والآخر فى البردة حيث وضع شطر بيت قبل الآخر، وقد حاول جاهدا إصلاح هذين الخطأين، خاصة أن الشركة كانت تقوم بالترميم فى المسجد آنذاك، ولكن هيئة الآثار دعت إلى اجتماع وتأجل الاجتماع.. حتى انتهت أعمال الترميم، وما زالت الأخطاء فى مسجد شيخون فى انتظار ما أسفر عنه الاجتماع الذى لم ينعقد أصلا.

ويؤيد عصام عبدالفتاح، أستاذ الخط الكوفى، صلاح عبدالخالق فى الأخطاء الواردة بالآيات الخمس الأولى من سورة الفتح، ويرى لتلافى أخطاء الترميم أن يتسلم خطاط أعمال الخط والزخرفة حتى نتجنب أخطاء الترميم.

كلمة المحرر

أما وقد اتفق أهل الاختصاص والصنعة على هذه الأخطاء، فلا بد من أن نطرح عدة أسئلة. هل هذه الأخطاء مسئولية الخطاط أم المنفذ "الحفار" أم المرمم؟ وقد ارتأى كل من صلاح عبدالخالق وعصام عبدالفتاح والباهى أحمد أن مسئولية الأخطاء فى الأغلب تقع على المرمم، بينما رأى كل من خضير البورسعيدى وأوس الأنصارى أنها مسئولية المنفذ "الحفار".

ويرى المحرر أن الأخطاء التى وردت فى الآيات الخمس الأولى من سورة الفتح تقع على المرممين، حيث إن ملء الفراغ الناتج عن سقوط اللام بالزخارف النباتية الكثيفة فى "ليدخل المؤمنين" يؤكد هذا النزوع، وكذلك عدم مواصلة الشق فى "صراطا مستقيما"، وأيضا مواصلة الشق فى "ولله جنود السموات والأرض".

وهذه الإجابة تجرنا إلى سؤال غاية فى الأهمية، وهو كيف فاتت هذه الأخطاء التى مر عليها عشرات أو مئات السنين على علمين من أعلام الخط الكوفى ألا وهما يوسف أحمد ومحمد عبدالقادر عبدالله؟ وربما كانت إجابة أوس الأنصارى الأقرب إلى الصحة؛ حيث يقول: وربما كان السبب فى غيبة هذه الأخطاء على كثير من الناظرين مرجعه الجانب الزخرفى الكثيف، واستخدام الفراغ الدقيق ما بين الحروف، وارتفاع هذا النص مما يحدث تداخلا فى الرؤية من الأسفل إلى الأعلى، ويؤيد صلاح عبدالخالق هذا الرأى بأنه لولا السقالات التى نصبت له لكان حظه من غيبة هذه الأخطاء عنه مثل حظ سابقيه.

















 

اضف تعليق













عدد زوار الموقع 6666295