رفعته الشرائع السماوية شعارا لها " التسامح " الحل السحرى لأغلب مشكلاتنا إرادة الانتقام والتشفى وقهر الآخر وجرائم القتل التافهة نتيجة غيابه

اضيف بتاريخ : 27/07/2018 الساعة : 7:38:17

عدد المشاهدة : 317

كتب : رجب عبد العزيز

سئل حكيم عن معنى التسامح؟ فقال هو القدرة على رؤية نور الله وسره الأعظم في جميع مخلوقاته، ويتجلى ذلك السر الأعظم في قول الشيخ الأكبر: أدينُ بدينِ الحبِّ أنَّى توجَّهتْ رَكائِبُهُ فالحُبُّ ديني وإيماني. ويقول وليام بليك الشاعر الإنجليزي: إن الطاقة هي البهجة، هي قدرتك على أن تكون معطاء للحب، ولكن إن استهلكنا تلك الطاقة في الغضب أو الكره أو الحقد، فكيف سنشعر بالفرح؟

فالنيران لا تطفأ بالنيران أبدًا، والظلم لا يعالج بالظلم! إن تذكري للإساءة يعني تعرضي لها عشرات المرات، فحين يسيء أحدهم لي، فهو قد أساء مرة، وحين أتذكر الإساءة فأنا أتعرض لنفس الضرر النفسي كل مرة أتذكر فيها، هو يسيء مرة وأنا أكررها ضد نفسي عشرات المرات!! 

وكما أن خلق التسامح محورى فى العلاقة بين الأمم فهو الحل السحرى للعلاقة داخل الأسرة الواحدة وعلاقات العمل وأخلاق الطرق والمؤسسات فلولا خلق التسامح فى الأسرة لدمرت العديد من الزيجات؛ ولو نظرنا إلى أكبر مشكلة تنهى الحياة الزوجية والأسرية لوجدناها فى إرادة الانتقام والتشفى وقهر الآخر، وكذلك بعض جرائم القتل التافهة على بعض الأموال أو المرور فى الطرقات نتيجة لغياب خلق التسامح، وهذا يؤكد أن خلق التسامح محورى لحياة الإنسان، وبدونه تستحيل الحياة إلى صراع مدمر لكل الأطراف. 

لماذا أسامح؟

ويتساءل شريف الحسينى أبو فرحة، مدرب التنمية البشرية: لماذا أسامح؟ مجيبا: أسامح لأني تعلمت أن النيران لا تطفأ بالنيران أبدًا، إنما بمضاد النيران، فالظلم لا يعالج بالظلم! ولأني وجدت في التسامح صحتي وراحتي، فحين أدرك أن عقلي لا يستطيع التمييز بين الحقيقة والخيال، وأنه يتأثر بالخيال كما يتأثر بالحقيقة، هنا أدرك أن تذكري للإساءة يعني تعرضي لها عشرات المرات، فحين يسيء أحدهم لي، فهو قد أساء مرة، وحين أتذكر الإساءة فأنا أتعرض لنفس الضرر النفسي كل مرة أتذكر فيها، هو يسيء مرة وأنا أكررها ضد نفسي عشرات المرات!!

أسامح لأني عرفت أن التسامح قوة لا يدرك تأثيرها إلا من يستخدمها بحق، وأن تأثيرها كالعدوى تنتقل لمن تستخدم معه، فهذا كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو القائل سبحانه: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) والدفع يشير إلى مقاومة نفسك ومقاومة الطرف الآخر، لكن إصرارك على التسامح يحول الأمر لصالحك كلية.

أسامح لأني لا أريد أن أتلف أعصابي وجسدي بمشاعر سلبية تقتلني ببطء، ولن تفيدني أبدًا بأي حال من الأحوال، ولأني عرفت أن التسامح أولى خطوات السعادة في الحياة، فحين يكتمل التسامح في نفس إنسان يشعر بالانتصار على نفسه قبل عدوه، وحينئذ يستشعر لذة النصر الحقيقية!! أسامح لأني وجدت التسامح مفتاحًا لكل خير، ولأني أدركت أن كلماتي هي التي تصنع واقعي، وأنا لا أريد أن أعيش في واقع مظلم قاتم، بل واقع منير مشرق، وهذا الواقع المنير لا يأتي مع كلمات الظلم والسخط والغضب..

هل بعد كل هذا تريد مني ألا أسامح؟!  ويقول باسم علوان، مدرب تنمية ذاتية ومتخصص فنون الشفاء بالطب الصينى: عندما تتعرى القلوب تنكشف حكمة الأقدار فتعلم أن كل من يعاني من شيء إنما هو يستحقه تمام الاستحقاق، فالله تعالى لا يظلم أحدا، فجل ما تعانيه البشرية اليوم يمكننا أن نحصره على الأغلب في مرض واحد وهو "تورم الذات" أو ما يسمى ب "الايجو"، فما بين شعور بالاضطهاد إلى حقد باطن أو غضب يحرق الأبدان إلى خلافات سياسية وفقهية ثم عقدية تودي بالمجتمع إلى هوة سحيقة لا يعلم مداها إلا الله تعالى. وفى وسط ذلك كله نرى التسامح كائنا مغتربا حتى عن ذاته لم يلبث أن حزم أغراضه مرتحلا، ولولا قلة قليلة من أصحاب القلوب لفقدنا التسامح جزئيا وكليا. إن صح لنا القول فيمكننا أن نعلن صراحة أن التسامح هو الدواء الأعظم لكل ما تعانيه البشرية في مجتمعاتنا الحالية، فكل شيء في هذه الحياة إنما هو طاقة وتردد، تلك الكلمات الساحرة التي تلخص مدى قدرتك على القيام بأى نشاط حياتي سواء على المستوى البدني أو الفكري او حتى الروحي. يقول وليام بليك الشاعر الإنجليزي: إن الطاقة هي البهجة، هي قدرتك على أن تكون معطاء للحب، ولكن إن استهلكنا تلك الطاقة في الغضب أو الكره أو الحقد، فكيف سنشعر بالفرح؟ سئل حكيم عن معنى التسامح؟ فقال هو القدرة على رؤية نور الله تعالى في جميع مخلوقاته، تلك النفخة الإلهية والسر الأعظم في مخلوقات الله تعالى، فإنك لن تكون حاملا للأمانة أو مؤديا لها أو تجليا كريما لصفات النبي صلى الله عليه وسلم إلا إن استطعت أن تكسو نفسك بذلك النور. فكيف لمن امتلأت روحه بالنور ان يكون حاملا للكره أو للحقد أو الحسد ضد أي كائن على وجه البسيطة. فالتسامح هو العلاج الوحيد القادر على إخماد نيران معاركنا الداخلية مع أنفسنا ويتيح لنا فرصة حقيقية لمعرفتها عبر الإحساس بالحب واختبار العطاء. ويتجلى ذلك المعنى الأعظم في قول الشيخ الأكبر: أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب دينى وإيماني.

كما يتساءل الدكتور يحيى أبو المعاطى العباسى، أستاذ التاريخ الإسلامى بكلية دار العلوم، على أى خلق تعيش الأمم والشعوب؟  أ على التسامح أم الصراع؟ مجيبا: إن التسامح التعارفى هو الأكثر قبولا ومنفعة لحياة الإنسان؛ لأن الخلق الآخر مدمر للحياة الإنسانية، ويخرج أسوأ ما فيه من تدمير وقتل واستغلال واحتلال. وهذا ما عاشته البشرية فى القرون الأخيرة حتى اشتكت البيئة من تدمير الإنسان، فالتسامح إذن هو الحل، وهو يعنى احترام الاختلاف والتعدد وقبوله، وهذا يكون فى الأمة الواحدة والمذهب الواحد صعودا إلى كل بنى البشر فى قومياتهم وعقائدهم ومذاهبهم. والتاريخ ملىء بنماذج التسامح الإسلامى. مثال ذلك يوم فتح مكة كان الرسول صلى الله عليه وسلم منتصرا لكنه تسامح من موضع القوة، وكان قبل ذلك محاربا للكفار الذين استسلموا له يوم الفتح. وصلاح الدين الأيوبى تسامح مع الصليبيين المحتلين لبيت المقدس بعد دخوله منتصرا بعد قتال استمر سنوات طويلة. 

أما التسامح فى حياة الأفراد والجماعات فهو البديل الأمثل لخلق الانتقام والتشفى؛ لأن المنتصر انتصر بإرادة الله وحوله وليس بقوته هو. والأمم التى لا يسود فيها خلق التسامح والتجاوز تصنع أكبر مرض اجتماعى فى التاريخ وهو عدم الانسجام الاجتماعى. 

كما أن خلق التسامح محورى فى العلاقة بين الأمم فهو الحل السحرى للعلاقة داخل الأسرة الواحدة وعلاقات العمل وأخلاق الطرق والمؤسسات فلولا خلق التسامح فى الأسرة لدمرت العديد من الزيجات؛ ولو نظرنا إلى أكبر مشكلة تنهى الحياة الزوجية والأسرية لوجدناها فى إرادة الانتقام والتشفى وقهر الآخر، وكذلك بعض جرائم القتل التافهة على بعض الأموال أو المرور فى الطرقات نتيجة لغياب خلق التسامح، وهذا يؤكد أن خلق التسامح محورى لحياة الإنسان، وبدونه تستحيل الحياة إلى صراع مدمر لكل الأطراف. 

إن خلق التسامح هو الحل الواقعى الأمثل لحل الأزمات الإنسانية والأممية بأفضل ما يكون من الوئام والحب وترك الفرصة للتاريخ ليذيب بعض ما علق بالنفوس والذاكرة من أحداث، فى حين أن الخلق المقابل وهو الانتقام والتشفى يبقى على علاقة الصراع إلى نهاية مأساوية بتدمير أحد الطرفين للآخر أو تدمير الطرفين معا. 

صوفية المصريين

بينما يشير الدكتور حسام الدين بدر، أستاذ الدراسات الإسلامية بكلية اللغات والترجمة، إلى أن صورة التسامح الدينى فى مصر بين المسلمين والمسيحيين على مدار التاريخ مضرب المثل، فظلت رايتا محمد والمسيح ترفرفان على ضفاف النيل في تناغم نادر يتجلى في الـتأثر والتأثير في العادات والتقاليد والطرز المعمارية في دور العبادة؛ حتى لا تكاد تميز بين مقام الولي وقبر القديس، ولا طقوس الاحتفال بالمولد النبوي وبين مولد العذراء، بل إن كلا من المولدين عيد للاحتفال يشهده المسلمون والمسيحيون على السواء.

فقد حافظ أهل الكنانة على نقاء عالمية الإسلام وقوته النابعة من قدرته الفائقة على عدم التمييز على أساس من الدين، وقد لعب الأزهر الشريف دوراً رائدا في ذلك، الذي كان من معالمه في الفترة الأخيرة تأسيس "بيت العائلة"؛ فبدا الأمر بهذا الدفع الإيجابي وكأنه قد امتزج بدماء مسلمي مصر ما تحدث به النبي الكريم في حجة الوداع، حين نادى في الحضور "ألا أخبركم بالمؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده".

  بل تجلى الأمر فى ذلك المزيج المتشابه بين مفهوم المحبة الإنجيلي ومفهوم الإحسان القرآني، ألا نقرأ في القرآن "والْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" {آل عمران:134}، وفي الكتاب المقدس "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، بارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ"  (لوقا 6: 27، 28)!

كما كان للفكر الصوفي دور خلاق في تزكية التسامح بين المسيحية والإسلام من منطلق مفهوم التوفيقية في التقريب بين الديانتين.

ويقول الدكتور محمد السيد الجليند، أستاذ الفلسفة الإسلامية بدار العلوم: لقد اتخذت الشرائع السماوية كلها شعارا لها هو التسامح والسلام النفسى والاجتماعى، وهذا ما أكده القرآن الكريم فى أكثر من آية، ونستطيع أن نقول باطمئنان إن الوحى الإلهى سواء نزل باللغة العبرية أو السريانية أو العربية إنما نزل ليؤسس هذه القاعدة الإنسانية "التسامح والسلام". قال تعالى عن التوراة (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ). وقال سبحانه (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ). هذا هو وحى الله فى التوراة كما تحدث عنها القرآن الكريم، ولكن أتباع التوراة تركوها وراء ظهورهم وضربوا بهذه التعاليم السماوية عرض الحائط ففسدوا وأفسدوا. قال تعالى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (78)كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)). فغلبهم الهوى والإفساد فى الأرض على اتباع وحى السماء، كما قال تعالى (كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ). هذا ما جاء فى التوراة، وهذا ما فعله بنو إسرائيل. وكذلك فى الديانة المسيحية نزل الوحى السماوى على لسان عيسى عليه السلام "مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا" ونصوص عيسى عليه السلام فى ذلك أكثر من أن تحصى، ولكن الصليبية المتعصبة (وليست المسيحية الصحيحة) أسالت الدماء أنهارا فى فلسطين والقدس خلال الحروب الصليبية الأربعة، وزرعت فى النفوس أسبابا تاريخية للتطرف الفكرى ما زال العالم يكتوى بنارها إلى الآن. ثم جاء الدين الخاتم مصدقا لما جاء فى التوراة والإنجيل، وكان ولايزال شعاره (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). ونادى بأن تكون العلاقات الاجتماعية مؤسسة على هذا الشعار (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ). وكلمة السلام من الكلمات الجامعة التى تؤسس للتسامح ليكون شعارا فى المعاملات الإنسانية، قال صلى الله عليه وسلم "رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى" فجعل شعار التسامح بابا واسعا لرحمة الله تعالى بين العباد.

 

اضف تعليق













عدد زوار الموقع 6502777