في حضرة كليوباترا...الأوضة المنسية (معبد الروح)

اضيف بتاريخ : 08/07/2018 الساعة : 1:05:33

عدد المشاهدة : 193

رضوى محمود رضوى محمود

كتب : رضوى محمود

كم تمنيت أن يهديني الزمان ليله أخرى أحياها بها ..  أفتح نافذتي على مصراعيها فكنت اخشى ذلك حينها ،وقضيت سنوات  أنظر من خلفها ، سأشرب الكثير والكثير من القهوة وأجمع كل ليال الأحد في هذه الليلة وأعيش سعادتهم ، وأغلى الكثير من أوراق الشاي وأجعل دخانها يسكن اركان تلك الأوضة الخشبية ، لم انسي هذه الرائحة حتى اليوم ، أحتضن بنظري صديقتي الشجرة حتى يرتاح قلبي من الشوق  صديقتي التي سجلت على أوراقها أسرار لم تعلنها يوما لأحد بل خبئتها في الخريف بين جذوعها حتى لا تتطاير مع الأوراق  .. اشتقت لها كثيرا  .  سأدعوه يأتي تحت شباكي وأٌسمعه ما خزنت له بقلبي من أغاني فيروز وأجعل صوتها يملئ الحى من حولي فكنت اخشى قديما أن ينزعج إحداهم من غرامي بها ..

 سأنهي الليلة بين يديه وأتركه يحملني حيث تركته في آخر موعد لنا . 

كان هذا آخر ما كتبته في دفترها حاوي الأسرار ، لم أجرئ يوم علي تصفحه ليس خوفا فهي كانت أوفي أصدقائي ، ولكنها علمتني أن لكلا منا خصوصية يتعرى إذا رأها احد ، وما نكتبه علي أوراق دفاترنا الخاصة لا نستطيع أن نتصارح به مع أقرب الناس إلينا ، في حياة كلا منا سر لا يُحدث به سوي النفس ، كانت غرفتها أو كما كانت تطلق عليها ( الأوضة المنسية) سرها الكبير .

غرفة مكتبها حين كانت تعمل بإحدى الشركات قبل زواجها من أبي ، أربعة سنوات ظلت تحي علي ذكراهم العمر بأكمله علي أملا أن تعود إليها يوما ما ، كانت روحها معلقه بهذا المكان بكل ما فيه، البنايات والمحلات واهالي الحي جميعا. 

اتذكر حين كنا نشتاق الي نزهه كانت تأخذني الي المقهى المقابل للبناية التي كانت تعمل بها ، وتحكي لي عن حبها لهذا المكان ، أحببته من صدق حبها له.  صباح أمس تزينت وعبئت حقيبتها بقطع شوكولاتة تكفيها 

  طوال الرحلة ،وقبلتني قبلة لن انساها ما حيت ، وكأنها كانت تعلم  انها القبلة الاخيرة وتركتني يغلبني النعاس 

 وذهبت الى موقف الباصات ،صعدت الى أحدهم وجلست  وسبقتها الروح الى هناك .

كانت كلما لامتها الدنيا أعطتها ظهرها وولت وجهه نحو محرابها .

ما أجمل ان يكون لك معبد يمر به الناس ولا يعرف قدسيته غيرك ، كان ذاك الشارع محرابها ومعبدها وعزائها ومقصدها كلما ضاق صدرها ، كلما أغرقها الحنين جاءته لتأخذ منه قبله الحياه .. كانت كل مرة تذهب إليه تجد من غَير ملامحه بهدم القديم وبناء الحديث لا يعلم أن ما هُدم لم يكن سواء قلب يمتلئ ذكرى وليست حجارة ، ولكنها كانت تغمض عينيها عن الحديث وتحاول أن تتنفس من عبق الطرقات و الاشجار ، الهواء مازال نفس الهواء حمداً لله أن قدرتهم لم تصل إلى تغير الهواء ..  ذات مرة قالت لي عند موتى لا تدعيهم يدفنون جسدي إلا بهذا المكان ، هناك أماكن تذهب اليها الروح تاركه الجسد في مكان أرغمته الحياة على العيش به ، فلا تفرقي بين جسدي وروحي يا ابنتي في مثواي الاخير .. جلست على باب الشارع تتأمل المارة وتبتسم ، شعرت ببروده تملئ جسدها ، بدأت الاشياء تتوارى أمام عينيها ، وصفت لي هذا الاحساس كثيرا عندما كانت تشعر بهبوط في ضغط الدم ، سقطت مغشيا عليها وسمعت أصوات من حولها وهم يحملونها ويحاولون أفاقتها ، وفجأة اختفت هذه الاصوات ،وضحت الرؤية ولكن دون ان تري أحد  صمت تام من حولها رأت نفسها محلقه حول الشارع تلمس جدران العمارات القديم منها والحديث  قطفت احدي ورقات الشجر وقبلتها شوقا ، شعرت بصفاء روحها لم تعلم أن روحها جاءت بها اليوم إلى هنا لتصعد إلى سماء معبدها وتترك جسدها في المحراب كان هذا أخر ما كتبتها أنا بدفترها المقدس وأغلقته للمرة الاخيرة لادفنه بما يحوي من أسرار بجوار قبرها

وأذكرهما معاً كلما ذهبت إلي حي الأوضة المنسية ..


Radwa_cleu#

 

اضف تعليق













عدد زوار الموقع 6835833