كتاب و أراء

بوتيك السعادة

خليل العوامي
فى مصر ما يمكن تسميته مجازا «بوتيك السعادة»، وهو مقصد الراغبين فى سعادة مؤقتة ونشوة وقتية، وبه بضاعة الباحثين عن إرضاء سريع لضمائرهم دون عناء البحث والتفكير. فى هذا البوتيك ستجد ضالتك فى عبارات مطاطية وجمل حماسية لا محل لها من الإعراب فى أى جملة حقيقية على أرض الواقع، غير أن لها جميعا مفعول السحر لدى المريدين، ورواد «البوتيك».
أما البضاعة المتوافرة فى البوتيك فهى سابقة التجهيز ومعتقة تصلح للاستخدام على مدى الدهر من نوعية: النصيب، البخت، الأخلاق العامة، الوطنية الحقيقية، قيم المجتمع، خصوصية مجتمعاتنا، حماية الذوق العام والتراث، الحفاظ على التقاليد والخصوصية الثقافية إلى آخر هذا النوع من الجمل والتعبيرات التى تعانى سيولة مفرطة، ولا يمكن أن يتفق ثلاثة أشخاص على تعريف واحد واضح ومحدد لأى منها.
«بوتيك السعادة» ملكية عامة، رواده من كل طبقات وفئات المجتمع، إلا أن بين هؤلاء الرواد من يمكن اعتبارهم «كهنة البوتيك»؛ فإنهم الأكثر تشددا لبضاعته، والأكثر جاهزية لاستخدامها بحماسة زائدة، تدفعهم للمزايدة على الجميع، لا سيما من لا يستخدم نفس البضاعة الراكدة. يعيش المريدون والكهنة بيننا فى العمل والشارع والنادى والمؤسسات النقابية والحزبية والإعلام، وحتى مراكز الأبحاث، ويتزايد نشاطهم فى المواقف المهمة، أو الظواهر الكبرى التى تطرأ على المجتمع وتشغل حيزا من تفكيره. وقد تجلى دورهم واضحا مع احتدام النقاش حول ظاهرة أغانى «المهرجانات»، وعلى الرغم من أنه نقاش مهم لظاهرة مهمة، تحتاج إلى الرصد والتحليل المعلوماتي الدقيق لأسباب ظهور هذا النوع من الغناء وانتشاره الكبير بصورة تخطت الفئات العمرية من الشباب، أو حتى الفئات الاجتماعية الشعبية –إن جاز التعبير– التى خرج منها وتوجه إليها فى البداية، إلى آفاق أوسع شملت كل الفئات العمرية وكافة الطبقات الاجتماعية، بدلا من هذا البحث والتقصى خرج علينا كهنة «البوتيك» فى عصبية مفرطة وتشنج غير مجد، يتحدثون بنفس العبارات الخاوية عن حماية الذوق العام، والحفاظ على هوية المجتمع وقيمه، وحفظ حقوق الأجيال الجديدة من العبث بذائقتهم الفنية، دون أن يوضحوا لنا من نصّبهم حماة للمجتمع.
لست هنا فى موضع تقييم هذا النوع من الغناء والموسيقى -وإن كنت إجمالا لست ضده- ولكننى مهتم برصد طريقة تعاملنا معه؛ لأنها كاشفة لطريقة التعامل مع كل الظواهر المهمة التى واجهت وستواجه المجتمع فى ظل التقدم التكنولوجى، والتغير فى ثقافة واحتياجات الناس.
فالحقيقة التى لا تقبل مجالا للشك أن أغانى «المهرجانات» موجودة وبقوة، وإن كان وصول «مهرجان بنت الجيران» للمركز الثانى على منصة «ساوند كلاود»، هى الحالة الأولى فقطعا قد لن تكون الأخيرة، فقد سمعها أكثر من 100 مليون مواطن، كما حقق غيرها من الأغانى عشرات الملايين من مرات الاستماع، وحتى لو اتفقنا أن هذا ليس معيار جودة أو نجاح بمفرده، فلا بد أن نتفق أيضا أنه أحد المعايير ولا يمكن تجاهله.
الحقيقة الثانية: هذا النوع من الموسيقى إن لم يثبت قديمه أكثر ويتحول إلى لون من ألوان الغناء الدائمة، فعلى أقل تقدير لن يختفى قبل عشر سنوات، وخلالها سيغير موازين الإنتاج الموسيقى، فتكلفة إنتاجه منخفضة جدا مقارنة بإنتاج الشركات الكبرى التى يتحتم عليها إعادة النظر والبحث عن سبل للبقاء والمنافسة، وبنفس القدر يتحتم على المطربين الكبار أن يلحظوا التغير فى أذواق المصريين، ويتيقنوا أن الساحة لم تعد قاصرة عليهم، وأن عروش الكثيرين منهم باتت مهددة الآن وبقوة.
الحقيقة الثالثة: إذا اتفق المجتمع على رفض «المهرجانات» –وهو لم يتفق- فإن المنع والقرارات النقابية، هى وسائل تعود بناء عقودا للوراء، ناهينا عن أنها فاشلة وبلا جدوى.
الحقيقة الأخيرة: النقاش حول الظاهرة يهم كل المجتمع المصرى، ويجب أن تشارك فيه كافة مؤسساته النقابية والحزبية والبرلمانية ومراكز الأبحاث النفسية والاجتماعية، بل والجنائية أيضا، فعندما يتعلق الأمر بالفن والموسيقى فى مصر الحديثة، ذات التاريخ والمحطات المهمة والمؤثرة فى الإقليم كافة على مدى قرنين من الزمان، لا يمكن أن يكون الحل بالعبارات الرنانة وحدها، كما أن تركه لكهنة «بوتيك السعادة» هى جريمة فعلية فى حق المجتمع.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق